الأربعاء، 27 أبريل 2011

الشيخة قديما وحديثا

الشيخة هي : جمع شيخ , والرجل الشيخ هو بيّن الشيخوخة , والمرأة العجوز يطلق عليها شيخة , والشيخ : شجرة يقال لها شجرة الشيوخ . وجمع الشيخ : الشيوخ , والشيخان , والمشيخة , والمشيوخاء , اما كلمة المشائخ فلا أصل لها في العربية , وتصح بالياء . وهي في وجهة نظري بمعنى القيادة والريادة , فكل من شاخ في مجال من مجالات الحياة يُطلق عليه "شيخ" فإن كان من العلماء الذين شاخوا في العلم كان "شيخ علم" وأن كان على رأس قبيلة فشاخ فيها سُمي "شيخ قبيلة" وهلمّ جرّا , ولكن كلمة "شيخ" لغةً لا تطلق إلاّ على كبير السن , حتى توسع غالب الناس في هذه اللفظة لا سيما في وقتنا الحاضر , فأطلقوها ووصفوا بها : التجار , ورجال الأعمال , وملاّك الإبل , وغيرهم ممن يستحق او لا يستحق واصبح البعض يحرص على هذه اللفظة , ويتباهى بها .
ما يهمني في هذه اللفظة "شيوخ القبائل" وهو موضوع مقالي هذا , فقد كان رؤساء القبائل قديماً , في عهد رسولنا صلى الله عليه وسلم , وما قبله وما بعده وإلى زمن قريب يُطلق عليهم , نقباء وعرفاء القبائل , وهم في حقيقة الأمر من يمثل القبيلة في جميع شؤونها , وهؤلاء الشيوخ ونقباء القبائل القدماء , الى عهد قريب كانوا على درجة كبيرة من العرف القبلي والعلم المعرفي , واتصفوا بالشجاعة والبسالة , والكرم وحسن الضيافة , فأفعالهم هي التي شيختهم على القبيلة , فتجده من أشجعهم وأكرمهم وأعرفهم بعادات العرب وسوايرها , يضيف الضيوف , ويعرف المعروف , ومن أغيرهم على القبيلة , فإن كان هنالك غزو كان على رأس الغزو , وإن كان للقبيلة ثأرٌ أخذ بثأرها , يدافع ويكافح عنهم , ويسعى في تحصيل حقوقهم .
هو المنصى والمقصد للجميع , فالضيف يقصده , والعدوا ينتقم منه , فهو في أعلى الهرم , وهو مقصد وهدف للجميع سلباً أو إيجاباً .
مثل هؤلاء لا يحملون أختاماً رسمية , ولا يحرصون على جاه ومنصب , ولم يتوارثوا الشيخة , بل ورثوها بأفعالهم , وبما قدّمت أيديهم , ولا يعاب عليهم إلاّ جهلهم في بعض أمور الشريعة , في فترة عمّ وطم فيها الجهل , ومع ذلك فهم بعيدون عن الكذب والإحتيال , والخيانة ونقض المواثيق .
أما شيوخ هذا الزمن للأسف الشديد "إلاّ من رحم الله" : يسعون وراء الأختام , ويحرصون على الجاه والمنصب فقط , لا تهمهم القبيلة في شيء , بل إنه يأكل ويسرق باسم القبيلة , اتصف بالكذب والبورة والنفاق , والأحتيال والخديعة , والسمعة وحب الظهور , يفرّقون أكثر مما يجمعون , ويشعلون الفتنة بين أفراد القبيلة يسمون الأشياء بغير اسمها : يعدون النفاق : سياسة , والكذب والإحتيال : شطارة والطعن من الخلف : شجاعة , والبخل والإمساك : توفير واقتصاد .
إنك لا تكاد تجد وثيقة قديمة بين القبائل أو بين أفراد القبيلة الواحدة إلاّ وتجد فيها عبارة "بـايـر" وهو : الخائن , فالذي لا يلتزم ببنود الإتفاق , ويخالف أعراف القبيلة فهو باير وخائن , ويعتبر مثل هذا الباير منبوذاً لدى الجميع , أمّا في هذا الزمن فأنصاره كثيرون , يزمرون له ويطبلون , ويصفقون له ويمدحون , والله المستعان على ما يصفون , لقد سمعتُ كما سمع غيري عن منافسات بين كثير من فروع القبائل على لقب الشيخة مع أن هذا اللقب تــمّ إيقافه واستبداله بلقب (معرّف قبيلة) واقتصرت مهمة المعرّف على تعريف أفراد قبيلته رسمياً فقط , ثمّ أعقب ذلك قرار آخر بأنه لا يحمل ختم "معرّف قبيلة" إلاّ من يحمل شهادة الثانوية العامة حتى يستطيع التعريف لأفراد القبيلة ممن يسكن القرى النائية عن المدن , واصبح الكثير لا يحتاج إلى أوراق تعريف مع وجود عمد الأحياء , فلا يبحث عن الشيخة في هذه الأيام ويحرص عليها إلاّ ناقص عقل , مع إحترامي للجميع .

الثلاثاء، 19 أبريل 2011

محنة الولاء "التشيع" بوابة إيران لتحقيق مأربها

بالاستقراء التاريخي نجد أن الحكم الإسلامي مرّ عليه أكثر من ألف وأربعمائة سنة، ما يقارب الألف سنة حكم فيها السنة غالبية العالم الإسلامي، بينما لم تتجاوز حكم الدول الشيعية أكثر من أربعمائة سنة لم يشمل نفوذها كل العالم الإسلامي، ومع ذلك كانت معظم هذه السنوات تتصالح فيها الأقلية مع الغالبية السنية وتتعايش معها، إلا في حال تدخلت المصالح القومية والسياسية للاستخدام الطائفي، عندها كانت الحروب بين هاتين الطائفتين الإسلاميتين. وبعيدا عن من كان مسؤولا عن إراقة الدماء في السابق، إلا أننا نعيش اليوم في عصر تجاوزت فيه معظم الديانات ثنائية الحروب بين الطوائف، ففي أوروبا وعلى رغم الفارق الكبير بين البروتستانت والكاثوليك إلا أن العداء المغذي للحروب في القرون الماضية ليس له ذكر اليوم، وإن كان التعصب والانتماء لا يزال موجوداً، إلا أنه تجاوز لغة العدائية والتكفير والتخوين نتيجة الثقافة الأوروبية الحديثة التي أنضجتها تجاربها السابقة وصقلتها العلمانية كسقف للجميع.

إلا أن إيران لا تزال تراهن على هذه الطائفية على رغم تاريخها القومي الفارسي الذي كان بالإمكان أن يضيف لها أكثر في آسيا الوسطى مرتكز المد الفارسي والصفوي، لكنها ارادت الاصعب لذا فإن اختيار إيران لتوسعها الواجهة الغربية من الإمبراطورية الفارسية محاولة لفك الممتنع الذي استعصى على الدولة الصفوية والسعي إلى استخدام أوتار الطائفية التي ملت منها الشعوب العربية والإسلامية اليوم لتطلعها إلى البناء والنهضة لأن الطائفية أكبر معوقات النهوض الحضاري، ولأن أوروبا الحديثة التي خاضت حروبا دينية بين الكاثوليك والبروتستانت أدركت أن التقارب بين هاتين الطائفتين المسيحيتين مستحيل، كما الحال بين السنة والشيعة، لكن التعايش ممكن مع الاحتفاظ بالحقوق السياسية الكاملة والعقائدية. هذا التعايش هو الذي ساهم في نهضة أوروبا والقفز على الحروب الدينية التي كانت تأكل من الداخل أكثر منها من الخارج.

الصراع المتفاقم اليوم بين السنة والشيعة ليس أساسه الطائفية أو الخلافات العقدية فقط على رغم الفرق الشاسع الفاصل ما بين المذهبين، إلا أنه وعلى مدار التاريخ الإسلامي نجد أن هناك فترات ركود وصدام بين السنة والشيعة، فترات الصدام هي تلك التي تحاول فيها الأقلية القفز على واقعها والاستعانة بالخارجي لنصرتها لشعورها بالظلم والقهر. الواقع اليوم لا يمكن فصله عن الجانب السياسي للدولة الإيرانية ذات الأطماع القومية الفارسية في المنطقة والتي ترفع شعار التشيع في العالم الإسلامي وينطوي تحت ولائها غالبية الشيعة وليس كلهم، على حساب أوطانهم وأعراقهم وانتماءاتهم حيث استطاعت الدولة الإيرانية اللعب على الولاء الطائفي في المنطقة، من خلال ابتداع مفهوم الولاء الطائفي، لتهدد بذلك دولا مستقرة يعيش فيها أقلية تبحث عن مزيد من الاستقرار والحقوق وتعزيز الولاء وليس العكس.
السعودية، البحرين، الكويت، لبنان، دول عربية تعيش فيها أقليات شيعية بعضها يتمتع بكامل حقوقه السياسية والدستورية ولا يحس بأي تفريق طائفي، ومع ذلك تحاول إيران اللعب بالولاء الطائفي، من دون أن تأخذ في الاعتبار المصالح الداخلية لهذه الطائفة مكتفية بمصالحها القومية فقط وهو ما رأيناه بشكل واضح في البحرين.

الشيعة هناك كانوا في طريقهم لتحقيق مكاسب سياسية ضخمة لولا دخول ايران على الخط ورفع سقف المطالبة برفع شعار الجمهورية الاسلامية والعلم الايراني، فالولاء يجب أن يكون للوطن أولا من ًدون أدنى تداخل أو ريبة. ليس سراً أن الشيعة في الخليج العربي منقسمون إزاء الانتماء الأولي أهو للمذهب أم للدولة؟ وإن كانت الغالبية الصامتة تقدم الولاء الوطني على الطائفي وبعض الرموز الشيعية المعتدلة في المنطقة تلامس هذا الامر بشكل واضح.

التشيع النقي القائم على مبدأ عقدي صرف يظل مما يجب التعامل معه في اطار التنوع الذي تعايش معه السنة والشيعة على مدى ألف وأربعمائة عام وعلى الشيعة تحديد خيارهم الوطني من خلال تقديم الولاء للوطن على الولاء للطائفة وتهديد استقرار اوطان الاقليات الشيعية التي ربما تندفع مع شعارات وحماس الاعلام الايراني المزيف للحقيقة والساعي خلف اطماعة التوسعية الظاهرة في الخليج.

الشيعة اليوم بحاجة الى حسم خيارهم الوطني وانتمائهم الحقيقي للوطن من خلال القفز على الولاء الطائفي وتجاوزه الى غير رجعة وتقديم مصلحة الوطن على مصلحة الانتماء الطائفي وتعزيز قيم المواطنة لدى الاجيال الشابة واي مطالبة بحقوق يجب ان تكون من خلال الوطن وليس اي قوة خارجية اخرى.

الوطن يربطك بتاريخك وارثك وارضك وهو ذلك العش الذي يحتضنك ويرعاك ويتنفس معك قبل ان تعرف الحياة، والى ان تموت.

ولم يبالغ ابو فراس الحمداني عندما قال:

بلادي وإن جارت علي عزيزة وقومي وإن ضنوا علي كرام

*خالد عبدالله المشوح